الأخبار

الفضاء المدني في عصر الطفرات الرقميّة: لماذا يجب أن نستفيد من التكنولوجيا خدمة للقضايا الحقوقيّة؟

الفضاء المدني في عصر الطفرات الرقميّة: لماذا يجب أن نستفيد من التكنولوجيا خدمة للقضايا الحقوقيّة؟
 

الفضاء المدني في عصر الطفرات الرقميّة: لماذا يجب أن نستفيد من التكنولوجيا خدمة للقضايا الحقوقيّة؟

 

 

تناولت الحلقة الثامنة من برنامج "آفاق مدنيّة" موضوع "أي مستقبل للفضاء المدني العربي في ظلّ التحوّلات الرقميّة؟". واستضاف محمّد اليوسفي خلال هذه الحلقة مديرة مشروع آفاق مدنيّة في المعهد العربي لحقوق الإنسان إسراء عطيّة والخبير والمدرّب في مجال الميديا الرقميّة والمدير التنفيذي لمؤسسة الكتيبة وليد الماجري. 

وخلصا ضيفا الحلقة إلى ضرورة استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها لخدمة الفضاء المدني في إطار تشريعات كونية ومنظومة أخلاقية دولية تنظّمه. 

 

الذكاء الاصطناعي حليفا للمجتمع المدني

أوضحت مديرة مشروع آفاق مدنيّة في المعهد العربي لحقوق الإنسان إسراء عطيّة أنّ الفضاء المدني الرقمي هو امتداد للفضاء المدني التقليدي الذي نعرفه منذ سنوات، مبيّنة أنّ وسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك أصبحت فضاء عامّا يستخدمه الناس للتعبير عن أفكارهم وحقوقهم.

وأشارت عطيّة إلى وجود جملة من الحقوق التي برزت عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي من خلال حملات كحملة "أنا زادة" و"مي تو"، مبرزة أن الفضاء المدني الرقمي مثلما يتضمّن فرصا للتعبير عن الآراء والأفكار والحقوق فهو سلاح ذو حدّين يتضمّن تحدّيات. 

وأضافت أنه لا بدّ من حماية المعطيات الشخصية سواء لنشطاء/ناشطات المجتمع المدني أو للمستخدمين/ات، موضحة أن تحالف آفاق مدنية يحرص في كلّ الأنشطة التي يقوم بها على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليكون أقرب إلى الشباب ويسهّل عمليّة الوصول إلى أصوات الجمهور، ولافتة إلى أنه يتم استخدام هذه الوسائل معرفة آراء الناس.  

وأكدت أن هناك بعض التحدّيات التي لا بدّ من أخذها في عين الاعتبار خاصة وأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت فضاء عامّا تقع فيه عمليّات استقطاب وسرقة وهيمنة وقرصنة وحملات تشويه، مبيّنة أنّ هناك أشخاصا ليس لديهم دراية ووعي بالتقنيات الموجودة لذلك يقوم أحد شركاء آفاق مدنية بتدريب في الأمن الرقمي في إطار تدريب مدرّبين ومن ثمّ طُلب من هؤلاء الذين وقع تدريبهم أن يقوموا بتدريب أقرانهم وبالتالي أصبح هناك 300 فاعل/ة في 6 بلدان عربية في هذا الإطار ومن المتوقع أن يرتفع عددهم، وفق تصريحها. 

لاسراء عطية 

وبيّنت إسراء عطيّة أنّ الهدف من هذا التدريب هو بناء جيل قادر على حماية معطياته الشخصية ويعرف أن وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدّين يمكن له فيه التعبير عن آرائه وفي الوقت ذاته حماية بياناته الشخصية. 

وفيما يتعلّق بحملات التشهير التي لا تطال الصحفيين/ات فقط بل كذلك المجتمع المدني، قالت عطيّة إن تحالف آفاق مدنية واع بهذا التحدّي وإنه سيتم قريبا تقديم تدريبات لصنّاع المحتوى والصحفيين لتدريبهم حول صحافة القرب ومواجهة التشهير ومن ثم ستقع رعاية 12 مبادرة إعلامية.  

وأضافت أنه سيكون هناك محتوى قائم أكثر على تقصّي الحقائق ويعتمد على صحافة القرب وصحافة الشأن العام. 

في علاقة بالذكاء الاصطناعي، اعتبرت إسراء عطيّة أنّه بدل التفكير في إمكانية أن يكون حليفا للفضاء المدني لا بدّ من التفكير في كيفية ترويض وتكييف الفضاء الرقمي المدني بحيث يكون حليفا للمجتمع المدني.

وقالت إن الخوف من الذكاء الاصطناعي طبيعي وصحي وهو ما سيجعل المجتمع المدني يتحرّك مبرزة أن المهم هو فهم السياق بكلّ ما فيه وأنه طالما أنّ الإنسان هو صانع هذا المحتوى يمكن وضع ضوابط وقوانين له لاستغلال الفرص التي يقدّمها والحدّ من تحدّياته وهو ما يحتاج مرونة أكثر ونظرة تقدّمية وقراءة دائمة للواقع والإجراءات الموجودة، حسب تعبيرها. 

لوليد الماجري 

 

لا للانبهار بالذكاء الاصطناعي ولا لشيطنته

أكّد المدير التنفيذي لمؤسسة الكتيبة وليد الماجري أن الفضاء المدني الرقمي هو امتداد للفضاء المدني الطبيعي وهو كذلك سابق للفضاء المدني المعاصر باعتبار أنّ الفضاء المدني قديم جدّا ولكن منذ سنة 2000 وما بعدها وخاصّة سنة 2004 تاريخ ميلاد فيسبوك ثمّ يوتيوب وبعده تويتر في 2009 أصبح هناك حديث عن الفضاء المدني 2.0 . 

وبيّن الماجري أن الطفرة التكنولوجية خلقت نوعا من الفضاء الرقمي التفاعلي وأصبح هناك مبادرات يتمّ إطلاقها في شبكات التواصل الاجتماعي وقبلها لأنه قبل 2004 كان هناك شبكات أخرى مثل "ماي سبايس" و"سكستين دغريز" وسبق هذه أيضا فضاء التدوين الحرّ الذي تأتي منه كلمة "مدوّن". 

وأضاف أن حركات التحرّر المجتمعي أو الانعتاق المجتمعي تحت نير الاستبداد الداخلي في دول عربيّة وغير عربيّة ولدت في هذه الفضاءات في الانترنت، مذكرّا أنه كان هناك منتديات معروفة جدّا في تونس ومصر وسوريا وغيرها وكانت تؤرّق نوم السلطات في ذلك الوقت. 

وأشار إلى بعض الحملات في تونس على غرار "نهار على عمّار" و"سيّب صالح" والتي كانت كلّها افتراضية وتسبّبت في زعزعة قناعة بن علي بسيطرته على المجتمع المدني الذي كان يسيطر عليه بالحديد والنار، وفق قوله، مضيفا أن الملاذ كان في الفضاء الرقمي الذي بدأ بالتدوين ثم بالواب 2.0 مع الثورة الرقمية وانفجار صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، واليوم دخل العالم مرحلة الواب الدلالي أي الذكاء الاصطناعي الذي لا يمكن للسلطات أن تسيطر عليه وتقمعه. 

من جهة أخرى، قال وليد الماجري إن مؤسسة الكتيبة تصنّف نفسها كوسيلة إعلام مشتبكة مع واقعها ومع المجتمع المدني وشركائها ومع جمهورها لأن الجمهور هو شريك وليس مستهلكا فقط وتتشكّل رسالتها انطلاقا منه ورجوعا إليه.

وأبرز أن العالم الرقمي حطّم دكتاتورية المعلومة أو دكتاتورية صناعة المعلومة وتمّ المرور إلى نوع ثان تجلّى من خلال الواب 2.0 وهو ما يسمّى بدمقرطة المعلومة أو المعلومات حيث بات كلّ إنسان يتمتع بذات القدرات في صناعة المعلومة والوصول إليها. 

واستدرك الماجري بالقول "هذه ديمقراطية المعلومات ولكن هذه الديمقراطية تتحكّم فيها أنساق أخرى. من ينتج التكنولوجيا ومن ينتج المعلومات وأي نوع من المعلومات ينتج؟". 

وتابع موضحا أن الأمر ذاته ينطبق على المجتمع حيث يمكن لأي شخص أن ينشئ جمعية ولكن المنظمات الحقيقية هي التي تشتبك مع جمهورها ومع واقعها ولا تكتفي بكتابة البيانات ونشرها بل تدرّب الشباب وتدخل في معترك المشاكل اليومية وتجد أو تقترح حلولا. 

وأضاف أن الفرق بين الإعلام الرقمي البديل والإعلام التقليدي هو أن هذا الأخير يعتمد على الرسالة العمودية في حين أن الفضاء البديل ينطلق من مشاكل حقيقية ومسكوت عنها لا يستطيع الإعلام التقليدي مناقشتها لأنه مرتبط بأجندات مستشهرين ورجال أعمال باعتبار أنه في نهاية المطاف مؤسسات ربحية ويجب أن تراكم الثروة حتى تواصل نشاطها. 

وبيّن وليد الماجري أن النموذج الاقتصادي لمؤسسة الكتيبة هو نموذج اقتصادي لمؤسسات المجتمع المدني وبالتالي الكتيبة تصنّف نفسها كمؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني إلا أنها تختلف عنها من ناحية الأنشطة حيث تقوم الكتيبة بصناعة صحافة مشتبكة بالمنظومة الكونية لحقوق الإنسان في حين تقوم المنظمات بتنظيم تدريبات وأنشطة أخرى. 

على صعيد آخر، قال الماجري إنه لا يرى بدّا ونجاعة في التصدّي لحملات التشهير بل لا بدّ من التصدّي لمن يقف وراء هذه الحملات من أشخاص إما من خلال توعيتهم والحديث معهم وتوضيح أن المجتمع المدني هو قوة اقتراح وليس خطرا ولا ينازع من أجل السلطة بل هو قوة اقتراح ودفع وعين رقيبة وضمير هذا المجتمع، وهذه الخطوة هي استباقية، على حدّ تعبيره. 

وأضاف أنه يجب التصدي لهذه الحملات كذلك من خلال وضع استراتيجيات إما بشكل فردي أو في شكل شبكات لمجابهة خطاب الكراهية ودعوات العنف ويكون امتدادها الحملات الرقمية، مؤكدا ضرورة توسيع شبكة التحالفات من مجتمع مدني إلى أبناء وبنات المجتمع المدني المتمثلين في المؤسسات الإعلامية والشركات الناشئة والشركات التي تمّ إحداثها بموجب قانون الاقتصاد الاجتماعي التضامني. 

فيما يتعلّق بالذكاء الصناعي، قال الماجري إنه طالما نتحدّث عن الذكاء الاصطناعي فنحن نتحدّث عن فرص جديدة وقد تكون حليفة أو عدوة لنا، موضحا أن الذكاء الاصطناعي يسبق المجتمع المدني والفضاء المدني بشكل عامّ بخطوة وذلك يرتدّ سلبا علينا من خلال التشهير وانتهاك الخصوصية والحملات ضدّ النساء على سبيل المثال. 

وأشار في هذا الصدد إلى أنه في السابق كان يتمّ استخدام صور موجودة فعلا ولكن اليوم يتم صنع صور وفيديوهات بتقنيات التزييف العميق وغيرها من تقنيات الفبركة، مؤكدا أن الفضاء العربي مازال متأخرا في هذا السياق ومازال يعمل بأدوات وتقنيات "متخلّفة". 

وأوضح الماجري أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون حليفا نشيطا جدّا للمجتمع المدني ولمنظومة الدفاع عن حقوق الإنسان من خلال توظيفها لحلّ مشاكلها، مبينا أن مشاكل المجتمع المدني هي مشاكل مادية تتعلّق بالتمويل وأخرى تتعلّق بإشكال الوصول إلى الجمهور حيث يبقى خطابه أحيانا نخبويا.

وأردف بالقول إن الذكاء الاصطناعي يتيح من ناحية إمكانية صناعة المحتوى والقيام بالبحوث بأقل ما يمكن من الوقت وأقل ما يمكن من الجهد والمال، ومن ناحية أخرى يتيح الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور بأقلّ ما يمكن من المال والوقت، مضيفا "لماذا نبقى في حالة من الخوف أو الانبهار من الذكاء الاصطناعي ولا نستغلّه؟".

وختم وليد الماجري بالتأكيد على ضرورة ألا يقع الانبهار بالذكاء الاصطناعي ولا شيطنته والخوف منه باعتبار أنه تكنولوجيا صنعها الإنسان وبالتالي لا بدّ من وضع منظومة أخلاقية وتشريعات كونية دوليّة تنظمه، كما لا بدّ أن يصبح متاحا للجميع، بحسب تصريحاته. 

من المهم الاشارة إلى أنّ برنامج آفاق مدنية في هذا العدد كان قد استضاف في فقرة بالمختصر المفيد الخبير في الميديا الاجتماعية والصحافة التكنولوجية محمد علي السويسي، كما تمت أيضا استضافة الصحفي بقناة سكاي نيوز عربية علي بريشة الذي تحدث عن مسيرة الراحلة جيزال خوري رئيسة مؤسسة سمير قصير في لبنان.

وفي فقرة صناع الامل شهد البرنامج مشاركة المتحدثة الاقليمية باسم الصليب الاحمر ايمان الطرابلسي التي تحدثت عن الوضع الحقوقي والإنساني في قطاع غزة ودور المنظمات الانسانية زمن الحروب والأزمات.

أما بالنسبة لفقرة فرص مدنية فقد كان الخبير في برنامج التكتيكات الجديدة في حقوق الإنسان في الأردن أيمن ملحيس ضيف الحلقة الثامنة من برنامج آفاق مدنيّة والذي تحدث عن مشروع أداة الخريطة التكيتيّة والفرص المتاحة من خلالها.


التسجيلات